لم يستوعب محمد العيدروس خبر رحيله عن الكويت، فهو يراه أبعد ما يكون، والموت أقرب من انتزاعه من ذكرياته الملأى بالفرح والحزن والمرارة والأسى.
العيدروس الذي لم يبرح المباركية منذ أن وطئت قدماه الكويت في العام 1957، قادماً من اليمن السعيد، لم يستوعب البتة خبر رحيله لبلوغه الستين، «عمري كله هنا، كل شبر في المباركية لي فيه قصة وحكاية، وأولادي ولدوا وكبروا هنا، وأحفادي شبّوا على هذه الأرض… وأنا لن أبرحها حتى لو خالفت القانون».
يمثل العيدروس شريحة واسعة من وافدين عرب كثر لم يستوعبوا القرار، لأنه لم يعد في أعمارهم أكثر مما مضى، ولأنهم مرتبطون بهذه الأرض وجدانياً وعاطفياً، لذلك يرفضون الرحيل، ويتشبثون بذكرياتهم رغم القرار الصادر من هيئة القوى العاملة. ففي أزقة سوق المباركية المزدحمة بشظايا «كورونا» يجلس كبار السن من الوافدين من مختلف الجنسيات في السوق، يترقبون بارقة أمل توقف سريان قرار عدم التحويل أو التجديد لمن بلغ 60 عاماً، ليعيشوا ما تبقى من عمرهم في سعادة وفي حضن البلد الذي عشقوه.
«الراي» رصدت ارتدادات قرار الهيئة العامة للقوى العاملة لحظر كافة الإجراءات من إصدار وتحويل وتجديد إذن العمل لجميع من بلغ عمر 60 عاماً فما فوق ممن يحملون الشهادة الثانوية وما دون، بدءاً من العام المقبل. فقال حمدي بوحازم الذي يمسك مجموعة من المسابيح لبيعها على مرتادي سوق المباركية إن «القرار الذي صدر من الحكومة له كل الاحترام، ولابد أن يتم تنفيذه من دون مناقشة، لكن نترقب أن تتم إعادة النظر فيه من الجانب الانساني، لأني بكل بساطة أفنيت عمري في الكويت ولا أعرف أن أعيش في مكان آخر غير هذا البلد الطيب».
وأضاف بوحازم أن القرار يهدف إلى تعديل التركيبة السكانية وتقليل عدد الوافدين، فهناك أمور أخرى منها عدم جلب عمالة جديدة من الخارج، لافتاً إلى أن تعديل التركيبة يحتاج دراسة متأنية لا تضر بكبار السن. ودعا إلى «ضرورة إعادة النظر في القرار لأنه يسبب مشاكل كبيرة ويحرم آلاف من الأسر الحياة الكريمة، لأننا بشكل صريح نصرف ونعيل أسراً، وظروف الحياة صعبة للغاية في جميع البلدان، وندعو الله أن يعاد النظر في القرار ويسمح لنا في العمل لأننا قادرون على العمل ونستطيع ممارسة حياتنا بشكل طبيعي».
وأمام قهوة الدلالوة، يجلس اليمني محمد العيدروس الذي دخل الكويت في العام 1957، وهو يمج دخان سيجارته «عشت حياتي كلها في هذه الديرة الطيبة منذ نعومة أظافري، لقد كنت أعمل سائقاً لدى تاجر كويتي توفي منذ سنوات، ولكن ارتباطي مع الارض جعلني أعمل وأكمل مسيرة العمل في السوق، فلم أعد استطيع تخيل نفسي في بلد غير الكويت».
وتوقع العيدروس أن تتم إعادة النظر في القرار، موضحاً أن القرار سيتم تعديله بكل تأكيد لأنك ببساطة في بلد الخير الكويت التي تحتضن الجميع ولها أياد بيضاء في كل بقاع الدنيا.
من جانبه، قال العامل سعيد نادري إن «الكويت بلد خير، ودائماً قراراتها تعالج الوضع الإنساني، وإن كان الهدف يأتي ضمن الرؤية الحكومية لمعالجة اختلالات التركيبة السكانية، وتأثيرها على سوق العمل، فهناك أمور أخرى ممكن أن تعالج غير حرمان من بلغ عمر 60 عاماً فما فوق».
من جانبه أوضح صفر محمد، الذي يعمل في أحد المطاعم القديمة في سوق المباركية، أن «معظم الوافدين ممن وصلت أعمارهم 60 عاماً لديهم عائلات وطلبة في الجامعة او الثانوية في الكويت، وهم من الأسر المنتجة، وتدفع التأمين الصحي وإيجار البيت وأقساط المدارس، وهم بالأصل ممن دخلوا الكويت في السبعينات أو قبل، وليس لديهم بلد غير الكويت، وابناؤهم من مواليد الكويت لا يعرفون وطناً غيرها، فالمسألة ليست جنسية بل انتماء وهم ممن يكنون المحبة لدولة الكويت».
وفي نبرة شامية حزينة، يقول السوري أبو أحمد «دخلت الكويت في العام 1964، وعملت في بداياتي في وزارة الكهرباء والماء، ثم انتقلت لوزارة الأشغال قضيت فيها 35 عاماً، كنت مشرفاً خلالها على معظم البنى التحتية للكويت ومدنها من طرق وصرف صحي، وأولادي كلهم انهوا دراستهم في الكويت والآن أنا أعيش ما تبقى من العمر بينهم وبين احفادي، لا أملك في بلدي سورية اي معيل، ناهيك عما حصل وما يحصل في سورية من دمار وخراب وقتال، والآن في هذا العمر لا استطيع ان أرعى شؤوني بعيداً عن أولادي وأحفادي ووصل بي الحال إلى أني لا استطيع أن آكل وجبتي إلا بحضورهم».
وناشد أبو أحمد المسؤولين إعادة النظر بالقرار، «ومراعاة الجانب الإنساني، خصوصا من خدم الكويت بكل فخر في مرافقها الحكومية، وأن تتم مكافأته بمنحه مبادرة إنسانية واستثنائه للعيش ما تبقى له من عمر بين أولاده واحفاده، دمتم وعاشت الكويت رمزا للإنسانية بقيادة الأب والقائد الإنساني الشيخ صباح الأحمد حفظه الله وارجعه سالماً معافى بإذن الله».
من جانبه، قال السوري أبو خلف: «قضيت 25 عاماً أعمل في القطاع النفطي، والآن دخلت عمر الستين، ومازلت بحمد الله تعالى أملك القوة والصحة لأعيل أسرتي وأبنائي الذين مازالوا تحت العمر القانونية كلهم من مواليد الكويت، ولا يعرفون غير هذا البلد، لم ينشدوا نشيدا وطنيا غير (وطني الكويت) كل ما ادخرته من مال مازال في السوق الكويتي من خلال محلي لبيع السجاد وهو مصدر دخلي».
وأضاف أبو خلف «لا أنافس الموطن الكويت في وظيفته التي هو أحق بها، وملتزم بقوانين وارشادات الحكومة، ولم تسجل ضدي أي مخالفة جنائية أو قانونية، طول فترة عيشي في هذا البلد، وأعيش مرحلة قلق أنا واولادي من يوم اصدار هذا القرار، وأصبحنا شبه تائهين يعلم الله، وأتمنى الرأفة بحال من أمضى جل عمره في هذا البلد، ويملك ما يعيله ولا يشكل أي عبء على الدولة وباستثنائنا نحن من اقمنا اكثر من 25 سنة من هذا القرار».
وفي سوق الذهب، يجلس أبو إياد في محله الذي ورثه عن أبيه، ويقول «أنا تاجر ذهب، وهي مهنة توارثناها أبا عن جد، وانتقلت للعيش في الكويت العام 1975، وأسست تجارتي في الذهب وتزوجت وعشت بين اخواني الكويتيين، وكل ما أملكه موجود في الكويت لم اخرج ديناراً واحداً خارج الكويت، رغم كل مغريات دول الاغتراب، وأولادي الآن يديرون تجارتي، وانا اشرف عليهم بالتوجيه والارشاد من خلال خبرتي، تتشارك معي في تجارتي إحدى العائلات الكويتية، كنت لهم خلال هذه الفترة خير الابن والأخ ومازلت».
وأضاف أبو إياد «أولادي لم يعرفوا غير هذا الوطن ولم يدخروا جهداً للوقوف بجانبها بالعسر قبل اليسر، ولدي ولدان ابن وبنت تخرجا من الهيئة العامة للتعليم التطبيقي، وهما في أحد القطاعات الصحية تطوعاً مع إخوانهما الكويتيين في الصفوف الأولى أثناء جائحة فيروس كورونا، ومازالا كتفا بكتف مع زملائهما في القطاع الصحي، منذ صدور هذا القرار، ولداي منهاران نفسيا، ولسان حالهما يقول لا نترك والدينا بعد هذا العمر ويتذكران بلدهما الكويت وفضلها عليهما». وناشد أصحاب القرار «النظر بعين العطف لمن هم في مثل حالي والسماح لنا بالعيش بين أولادنا واحفادنا واتابع تجارتي وسطهم، دمتم ودامت الكويت ذخرا ووطنا».