لجأت ملايين الشركات حول العالم إلى تفعيل العمل عن بُعد (من المنزل)، للمحافظة على سير أعمالها وإنتاجية موظفيها، في ظل ظروف الإغلاق التي اتخذتها الحكومات للحيلولة دون انتشار جائحة كورونا.
ودفع نجاح التجربة خلال الأشهر الماضية الكثير من الشركات عالمياً إلى التفكير جدياً باستمرار هذا النوع من نموذج الأعمال بعد انتهاء أزمة كورونا لانعكاساته الإيجابية، سواءً على المؤسسة أو الموظف، ليصبح تطبيقه دائماً في بعض المهن، لا سيما في عالم دخلت التكنولوجيا إلى تفاصيل حياته، صغيرة وكبيرة، ما من شأنه أن يسهم في نجاح هذا النموذج.
وفي حين باركت كثير من الدراسات الصادرة خطوة العمل من المنزل لنجاعتها في التغلب على إجراءات الإغلاق القسري، يبرز نموذج السكن المتبع عالمياً، كأحد أهم العناصر المساعدة للموظف في تحقيق هذه الخطوة على أرض الواقع، إذ بإمكانه، في حال تحوله للعمل من المنزل – تخصيص جزء من مسكنه ليكون مركز أعمال يمارس من خلاله وظيفته.
وفي المقابل، فإن العمل عن بُعد في الكويت له صورة مغايرة تماماً عن بقية الدول، إذ إن الشريحة الأوسع من الموظفين الوافدين، الذين يشكلون الجزء الأكبر من قوة العمل، يقطنون في شقق ضيقة، لاسيما مع إغراء زيادة الطلب على الشقق الاستثمارية للملاك، نتيجة ارتفاع عدد الوافدين خلال السنوات الماضية، ببناء عمارات تحوي عدداً كبيراً من الشقق الضيقة بقيم إيجارية مرتفعة، ما دفع الوافدين العزاب لتشارك الشقة حتى يستطيعوا دفع إيجارها، فيما تكتفي العوائل باستئجار أقل مساحة تكفيهم.
هذا النموذج السكني القائم يحول دون تطبيق ناجح للعمل من المنزل، إذ إن تقسيمة الشقق لا تسمح بتحويل جزء من الشقة لمركز أعمال يؤدي موظفو البيت من خلاله وظائفهم دون أن يزعج أحدهم الآخر، ما يصعّب من مهمة العمل عن بُعد، خصوصاً إذا كانت الشقة الواحدة يسكنها أكثر من موظف يعملون في أكثر من مؤسسة أو شركة، ما يمنع تخصيص جزء من الشقة لتكون مركز أعمال يؤدي القاطنون فيها أعمالهم من خلاله دون أن يشوّش أحدهم على الآخر، للوصول إلى النتيجة المرجوة من العملية.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل يمكن أن يتغير نموذج السكن المتبع في الكويت في المستقبل القريب مواكبة للتطورات الجديدة في حال قرر كثير من الشركات تحويل كامل أعمالها أو جزء منه ليكون عن بُعد، فيدخل ملاك العمارات في حساباتهم المعمارية وجود غرفة صغيرة تكون بمثابة مركز أعمال يؤدي قاطنو الشقة من خلاله أعمالهم؟

مواكبة التغيرات
من ناحيته، يرى رئيس مجلس إدارة شركة الدرة الوطنية العقارية، نائب الرئيس التنفيذي للشؤون المالية والإدارية في شركة الصناعات الوطنية القابضة، فيصل النصار، أن الكثير من الشركات العقارية وملاك العقارات الاستثمارية من الأفراد سيواكبون التغيرات التي ستفرضها التطورات، إذا كان ذلك سيعود بالفائدة عليهم، ويشكل قيمة مضافة للعميل.
وفي حين اعتبر النصار أن التحول للعمل عن بُعد يحتاج إلى جاهزية كبيرة من جميع الأطراف في الدولة، سواءً على المستوى الخاص أو العام، أكد أن ذلك قد يستغرق سنوات ويمكن للملاك حالياً البدء بتخصيص جزء من «لوبي» العمارة ليكون مركز أعمال لجميع سكان العمارة، كخدمة تُضاف إلى الخدمات الأخرى التي يقدمونها مثل «الجيم» والمسبح وغيرهما.
وأوضح النصار أنه في حال تم تطبيق هذا التوجه من قبل الشركات بشكل واسع، فإن ملاك العقارات قد يُدخلون ذلك في حساباتهم المعمارية المستقبلية لتخصيص غرفة في البيت يمكن تجهيزها مكتبياً، مع احتساب قيمة إيجارية أكبر، لأنها ستحتسب من مساحة البناء لدى البلدية، مؤكداً أن إعادة تأهيل الشقق الحالية الواسعة نوعاً ما ليس بالأمر الصعب.

استديو عمل
من جانبه، قال مدير شركة المؤشر للاستشارات العقارية والاقتصادية، حامد السهيل، إن أسلوب وثقافة العمل ستتطور حتماً، والعمل عن بُعد سيفرض نفسه وتأثيره على توجه الشركات والأفراد خلال السنوات القليلة المقبلة، وسيساعده في ذلك التوسع الكبير والسريع في الخدمات الإلكترونية.
ولفت إلى أن عدداً من المواطنين والمقيمين المهنيين بدأوا بتحويل المكتب المنزلي التقليدي أو جزء من مساحة شققهم إلى استديو عمل، كما أن الحاجة للعمل كفريق أصبحت متاحة وستتطور سريعاً لتمكين العمل عن بعد بكفاءة، مطالباً وزارة التجارة بدعم هذا التوجه بقوة، لأنه يعتبر نمط عمل جديداً ينتشر عالمياً بسرعة كبيرة.
وذكر السهيل أن الشريحة الأوسع من موظفي القطاع الخاص تعيش في شقق صغيرة جداً، حيث تمثل شريحة الغرفة الواحدة 22 في المئة من عدد الشقق في الكويت، والغرفتين 54 في المئة، إضافة إلى 5 في المئة بالنسبة للاستديو، وجميع تلك الشرائح تقريباً ذات مساحات صغيرة تحول دون أداء مهام العمل عن بُعد، ولأسباب كثيرة ليس أقلها وجود أكثر من موظف في نفس الشقة أحياناً، سواء من العائلة نفسها، أو أصدقاء يعيشون في الوحدة السكنية نفسها يحتاج كل منهم إلى جو مناسب لأداء مهام وظيفته بالجودة العالية وفي الوقت المحدد.
ولفت إلى أن 75 في المئة تقريباً من العمارات الاستثمارية لا يمكن وصفها بالحديثة، كما أن ملاك عقارات استثمارية لجأوا في السنوات الأخيرة إلى التلاعب في تقسيمة شقق عماراتهم بغية تصغير المساحات لتعظيم القيم الإيجارية للمتر المربع، وسط طلب كبير على الغرفة الواحدة والغرفتين من الشريحة الأكبر من العمالة الوافدة، ولذلك ستكون هذه الشريحة هي الأكثر تضرراً من هذا النموذج من الأعمال مستقبلاً.
وبيّن السهيل أنه مع التطورات التي أفرزتها جائحة كورونا، واحتمال تحوّل عدد من الشركات للعمل من المنزل في بعض الوظائف، فإننا أمام واقع جديد يحتم على الملاك إعادة النظر من الناحية المعمارية، لتخصيص مساحة تكون مكتباً مخصصاً لأداء العمل من المنزل، لترغيب المستأجرين من جهة، ولملء الشواغر التي يتوقع أن يزيد عددها بشكل كبير في الفترة المقبلة، لخسارة كثير من الوافدين أعمالهم ومغادرتهم البلاد.
ونوّه السهيل إلى وجوب إعادة النظر في الشقق التي يقطنها العزاب، والتكدس الكبير الذي لا يسمح لهم بالقيام بأداء العمل من المنزل، بأي شكل من الأشكال، وفرض قوانين تنظم العملية التأجيرية في المستقبل وفرض رقابة أكبر عليها.

علب سردين

أشار السهيل إلى أن شققاً قليلة تسمح مساحتها بتخصيص مكتب يصلح لأداء العمل من خلاله، مثل المؤلفة من 3 غرف التي تمثل 16 في المئة تقريباً من إجمالي الشقق المتورفة، والـ4 غرف التي تشكل نحو 3 في المئة، مؤكداً أن معظم العمارات المبنية حديثاً أشبه بعلب السردين ولا يمكن تغيير تقسيمتها وإدخال شيء جديد عليها.
وتوقع السهيل أن يزيد الطلب مستقبلاً أكثر على الشقق المكونة من غرفتين وصالة، فيما سينخفض على الغرفة الواحدة كونها لن تكون كافية لأداء الأعمال، موضحاً أنه بإمكان الشركات استحداث مصدر إيراد جديد لو وفّرت مركز أعمال في كل عمارة تابعة لها يستفيد منه جميع السكان.